سعيد أيوب

243

الانحرافات الكبرى

فرعون ( إنني معكما أسمع وأرى ) أما قوله : ( سيهدين ) أي سيدلني على طريق لا يدركني فرعون معها ( 206 ) . وانتهى موسى عليه السلام بقومه إلى البحر ، ومن خلفهم تجري عربات وخيول فرعون يقودها الصفوة في الدولة ، وكل واحد فيهم يريد أن يكون له شرف قتل موسى ليزداد قربا من فرعون ، وعند مسافة قدرها الله بين الطرفين ، جاء وقت المفاصلة . يقول تعالى : ( فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) ( 207 ) قال المفسرون : أي كل قطعة منفصلة من الماء ( كالطود ) وهو القطعة من الجبل العظيم . وفي موضع آخر يقول تعالى : ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) ( 208 ) قال المفسرون : عندما ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق كل فرق كالطود العظيم ، أرسل الله تعالى الريح على أرض البحر . فلفحته حتى صار يابسا كوجه الأرض . وقوله : ( لا تخاف دركا ) أي من فرعون ( ولا تخشى ) أي من البحر ( 209 ) . وحفظ الله تعالى البحر على حاله وهيئته حتى قطعه موسى ومن معه وخرجوا منه ، وأوحى الله تعالى إلى موسى : ( واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ) ( 210 ) . قال المفسرون : أي اتركه ساكنا أو مفتوحا على حاله فيدخلونه طمعا في إدراككم فهم جند مغرقون ( 311 ) . وجاء فرعون وجنوده . وشاهدوا الطريق اليابس . واندفعوا فيه ، لم يسجل القرآن أن فرعون تدبر في الأمر ، وأيقن كعسكري أن الذي أمامه مانع طبيعي وليس صناعيا ووجود الطريق اليابس في المانع الطبيعي في لحظة يعني أن هناك معجزة ، وهذا في حد ذاته يدعوه كرجل عسكري أن يعيد تقدير الموقف على أساس جديد . لم يسجل القرآن ذلك ليسقط فرعون أمام التاريخ كعسكري وكفرعون وكإنسان ، وانطلق فرعون بغيا وراء موسى

--> ( 206 ) الميزان : 277 / 15 . ( 207 ) سورة الشعراء ، الآية : 63 . ( 208 ) سورة طه ، الآية : 77 . ( 209 ) ابن كثير : 160 / 3 . ( 210 ) سورة الدخان ، الآية : 24 . ( 211 ) الميزان : 140 / 18 .